يعد زين الدين زيدان واحدا من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ الحديث وقد صنع اسمه بأحرف من ذهب مع المنتخب الفرنسي وأندية أوروبية كبرى مثل يوفنتوس وريال مدريد غير أن قصة زيدان لا تكتمل دون التوقف عند جذوره الجزائرية التي شكلت جزءا عميقا من شخصيته وهويته العائلية فالانتماء بالنسبة له لم يكن مجرد أصل مكتوب في الوثائق بل ذاكرة حية وثقافة متوارثة وقيم غرست فيه منذ الطفولة داخل بيت بسيط في مدينة مرسيليا الفرنسية حيث كان الحنين إلى الجزائر حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية وفي الفيدو التالي الذي نشرناه في قناتنا على منصة يوتيب zoom vip بعض التفاصيل عن زيارته للجزائر ولقائه الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة.
تعود أصول العائلة إلى قرية أغمون في منطقة القبائل بالجزائر حيث ولد والده إسماعيل زيدان خلال فترة الاستعمار الفرنسي وعاش طفولة صعبة في ظروف قاسية اتسمت بالفقر وقلة الإمكانات فقد نشأ في غرفة واحدة مع عائلته دون أثاث أو مظاهر رفاهية ولم يتمكن من متابعة الدراسة سوى لعام واحد في مدرسة تبعد عدة كيلومترات عن منزله ومع بداية خمسينيات القرن الماضي قرر الهجرة إلى فرنسا بحثا عن فرصة عمل وحياة أفضل فوصل إلى باريس في شتاء قاس وعاش بداية متواضعة اتسمت بالصبر والعمل الشاق قبل أن ينتقل لاحقا إلى مدينة مرسيليا حيث استقر وتزوج وأنجب أبناءه ومن بينهم زين الدين الذي ولد عام اثنين وسبعين.
إسماعيل زيدان لم يكن مجرد أب يسعى لتأمين لقمة العيش بل كان حاملا لذاكرة وهوية حرص على نقلها إلى أبنائه فقد كان يتحدث معهم باللغة الأمازيغية ليبقي صلتهم متينة بجذورهم فيما كانت والدتهم مليكة تتحدث الفرنسية داخل المنزل هذا التنوع الثقافي منح زين الدين شخصية متوازنة تجمع بين الانفتاح الأوروبي والاعتزاز بالأصل الجزائري وقد عرف عنه التواضع والهدوء والاحترام وهي قيم أكد مرارا أنها تعود إلى تربية والده الذي علم أبناءه معنى الصبر وعدم التبذير والاعتماد على النفس.
حين تألق زيدان في الملاعب الأوروبية لم يتخل عن هذا الإرث العائلي فعلى الرغم من اختياره تمثيل المنتخب الفرنسي وتتويجه بكأس العالم عام ثمانية وتسعين ظل يؤكد في تصريحاته أن الجزائر جزء من كيانه وأن فخره بأصوله لا يتعارض مع مسيرته الرياضية فقد تحدث في مناسبات عدة عن قصة هجرة والديه وعن التضحيات التي قدمها والده من أجل أسرته كما زار الجزائر في زيارات إنسانية كان لها صدى واسع بين الجماهير التي استقبلته بحفاوة كبيرة معتبرة إياه ابنا من أبنائها الذين رفعوا اسم العائلة والبلد عاليا في المحافل الدولية.
لم يقتصر هذا الارتباط على الجانب الرمزي بل امتد إلى العمل الإنساني والاجتماعي حيث ساهم زيدان في دعم مشاريع خيرية وتنموية مستلهما من تجربة والده الذي عرف قيمة الكفاح والاعتماد على الذات كما ظل حريصا على نقل هذه الروح إلى أبنائه داخل المنزل فجعل من الثقافة الجزائرية جزءا من حياتهم اليومية عبر اللغة والعادات والقصص العائلية التي تربطهم بقرية أجدادهم في منطقة القبائل.
وتجلى هذا الامتداد بشكل واضح مع ابنه لوكا زيدان حارس المرمى الذي قرر تمثيل المنتخب الجزائري بعد أن خاض تجارب مع الفئات السنية في فرنسا فقد أوضح لوكا أن اختياره لم يكن قرارا عاطفيا عابرا بل نتيجة شعور عميق بالانتماء تشكل منذ الطفولة حين كان يسمع حكايات جده إسماعيل عن الجزائر ويعيش الثقافة الجزائرية داخل البيت وقد عبر زين الدين عن دعمه الكامل لقرار ابنه مؤكدا أن الأهم هو أن يتبع الإنسان قناعاته ويحترم جذوره.
إن قصة عائلة زيدان مع الجزائر هي قصة هجرة وصمود وانتقال من البساطة إلى العالمية دون التفريط في الهوية فمن غرفة متواضعة في قرية جزائرية إلى أكبر ملاعب أوروبا ظل خيط الانتماء ممتدا يربط الماضي بالحاضر ويؤكد أن النجاح الحقيقي لا يعني التخلي عن الأصل بل البناء عليه وتعزيزه فالجذور بالنسبة لزين الدين زيدان لم تكن عبئا بل مصدر قوة ألهمه في مسيرته وجعل اسمه يتردد في العالم كله بوصفه لاعبا استثنائيا وإنسانا وفيا لتاريخه العائلي والثقافي.
قسم التحرير
فريق متخصص في عالم الرياضة والمواضيع التاريخية والمواضيع ذات الأهمية وكل ما يتعلق بها من أخبار محلية وعالمية