إبستين ومنظومة التفوق الأخلاقي الغربي

إبستين ومنظومة التفوق الأخلاقي الغربي | Zoom VIP



| الصورة تعبيرية من إنتاج الذكاء الاصطناعي | 

حين تنفجر قضية بحجم قضية جيفري إبستين فإنها لا تبقى في حدود الفعل الإجرامي الفردي ولا تتوقف عند سيرة شخص واحد مهما كان نفوذه أو ثروته بل تتحول إلى مرآة عاكسة لبنية كاملة من العلاقات والمؤسسات والقيم التي سمحت بتراكم الانحراف واستمراره فالقضية لم تهز فقط الرأي العام بسبب طبيعة الجرائم المنسوبة وإنما لأنها كشفت شبكة معقدة من الصمت والتواطؤ والعلاقات الممتدة داخل دوائر سياسية وأكاديمية وثقافية وإعلامية يفترض أنها تمثل قمة النظام الأخلاقي الغربي.

لطالما قدم المشروع الحداثي الغربي نفسه بوصفه حاملا لواء القيم الكونية وفي مقدمتها سيادة القانون وكرامة الإنسان والمساءلة المؤسسية تأسس هذا الخطاب على إرث فلسفي عريق من جون لوك الذي نظر للحقوق الطبيعية باعتبارها سابقة على السلطة السياسية إلى إيمانويل كانط الذي جعل من الكرامة الإنسانية غاية في ذاتها وصولا إلى جون ستيوارت ميل الذي ربط الحرية بازدهار الحقيقة هذه الخلفية الفكرية لم تبق حبيسة الكتب بل تحولت إلى ثقافة عامة تتجلى في شعارات مثل لا أحد فوق القانون والمؤسسات أقوى من الأفراد.

غير أن صدمة إبستين لم تكن فقط صدمة أخلاقية بل صدمة سردية فالجمهور الذي نشأ على قصة مؤداها أن المنظومة الغربية قادرة على تصحيح أخطائها من الداخل وجد نفسه أمام وقائع تشير إلى أن الانحراف استمر سنوات طويلة رغم المؤشرات العلنية والتحقيقات السابقة هنا يبرز السؤال الجوهري كيف استطاعت شبكة بهذا الحجم أن تعمل في ظل مؤسسات رقابية وقضائية يفترض أنها من الأكثر صرامة في العالم.

الإجابة لا تكمن في افتراض انهيار كامل للقيم بل في تآكل تدريجي لقدرتها النقدية حين تتقاطع مع المال والنفوذ فمنذ أن ربط فرانسيس بيكون بين المعرفة والقوة اكتسبت المؤسسات العلمية والجامعية مكانة رمزية عليا بوصفها منتجة للحقيقة وحارسة للتقدم لكن حين يصبح التمويل الضخم أداة لبناء شبكات علاقات تمنح الشرعية الاجتماعية والسياسية يتحول الدعم إلى نفوذ والنفوذ إلى حصانة غير معلنة.

المعضلة لا تكمن في وجود المال بحد ذاته بل في قدرته على الاحتماء بلغة القيم إذ تستدعى مفردات مثل الابتكار وخدمة الإنسانية ودعم البحث العلمي لتجميل علاقات معقدة قد تخفي وراءها اختلالات أخلاقية عميقة هنا يتحقق ما أشار إليه بيير بورديو حين تحدث عن رأس المال الرمزي القادر على تحويل القوة إلى شرعية فالنفوذ لا يمارس دائما بالقهر المباشر بل عبر بناء صورة أخلاقية يصعب الطعن فيها.

تكشف قضية إبستين أن المنظومة لم تفقد خطابها القيمي بل احتفظت به كواجهة متماسكة غير أن الاحتفاظ باللغة لا يعني الاحتفاظ بالفاعلية فحين تتحول الأخلاقيات إلى زينة رمزية تسبق المؤتمرات وتزين البيانات الرسمية بينما تدار العلاقات الفعلية بمنطق المصالح المتبادلة تتسع الفجوة بين الشعار والممارسة.

إن خطورة هذه اللحظة لا تكمن في فضيحة بعينها بل في اهتزاز الثقة بالسردية الجامعة التي قامت عليها فكرة التفوق الأخلاقي فحين تتكرر الوقائع التي تناقض الوعد المؤسسي يصبح السؤال أعمق من محاسبة أفراد إنه سؤال حول قدرة المنظومة نفسها على حماية قيمها عندما تختبر في مواجهة المال والنفوذ هنا تبدأ الأزمة الحقيقية لا كحادثة عابرة بل كاختبار لبنية أخلاقية طالما قدمت باعتبارها النموذج الأرقى في إدارة القوة بالقانون.

تم تحليل المقال بناءا على معلومات صدرت من قنوات إعلامية على غرار الجزيرة -CNN ARABIC

قسم التحرير

قسم التحرير

فريق متخصص في عالم الرياضة والمواضيع التاريخية والمواضيع ذات الأهمية وكل ما يتعلق بها من أخبار محلية وعالمية